Loading subject…
في كثير من المجتمعات، تشترك في قرار الزواج، إلى جانب الشخصين نفسيهما، العائلةُ والقبيلةُ والسمعةُ وحسابُ المصلحة. والقضية العالمية التي سأتناولها اليوم هي مصادرة العُرف الاجتماعي لإرادة الفرد في الزواج، وما تكلّفه هذه المصادرة من عمرٍ كامل. وهي قضية تتجاوز بلدًا بعينه أو زمنًا بعينه، وتُعاش في تفاصيل يومية صغيرة قبل أن تظهر في الأحكام الكبيرة.
وسأدرس هذه القضية في عملين مسرحيين يفصل بينهما نصف قرن وثقافتان: «مجنون ليلى» لأحمد شوقي، وهي مسرحية شعرية مكتوبة أصلًا بالعربية، و«بيت الدمية» لهنريك إبسن، وهي مسرحية نرويجية أدرسها في الترجمة. ويلتقي العملان عند فكرة واحدة: الزواج فيهما عقد اجتماعي تُدار به حياة الأفراد بغير رضاهم. غير أن كلفة ذلك تُقاس في كل عمل بمقياس مختلف: يقيسها شوقي بعمرٍ توقف عند الطفولة، ويقيسها إبسن ببيتٍ يُترك في ليلة واحدة.
المقطع الذي اخترته من الفصل الخامس والأخير، في مشهد المقابر على سفح جبل التوباد، بعد أن وُوريت ليلى الترابَ. ويبدأ قيس مناجاته بأن يجعل المكان شريكًا في نشأة الحب: «فِيكَ نَاغَيْنَا الهَوَى فِي مَهْدِهِ ٭ وَرَضَعْنَاهُ فَكُنْتَ المُرْضِعَا». الاستعارة هنا تجعل الهوى مولودًا والجبلَ مُرضِعًا، فيخرج الحب من باب الاختيار إلى باب النشأة. ودلالة هذا في قضيتي أن العُرف حين يطالب قيسًا بالتخلي عن ليلى يطالبه بما لا يملكه: من رضع شيئًا في مهده لا يستطيع أن يفطم نفسه عنه بقرار.
ثم ينتقل المتكلم إلى المكان نفسه في الحاضر: «هَذِهِ الرَّبْوَةُ كَانَتْ مَلْعَبًا ٭ لِشَبَابَيْنَا وَكَانَتْ مَرْتَعَا». ويجتمع في البيت زمنان: اسم الإشارة «هَذِهِ» يجلب المكان إلى اللحظة الحاضرة، والفعل الناقص «كَانَتْ» مكررًا يدفع الزمن إلى الماضي. والمعنى الذي يخرج من هذا التقابل أن العُرف ترك الربوة قائمة، ومحا ما كان يمكن أن يحدث فيها. وهذه هي صورة المصادرة في أدقّ أشكالها: الأشياء باقية، والحياة التي كانت ستُعاش بينها هي التي ذهبت.
ويهيّئ شوقي للبيت الأخير بصورتَي لعبٍ يُمحى: بيوت الحصى التي بناها الطفلان ثم محواها بأيديهما، والخط في نقا الرمل: «وَخَطَطْنَا فِي نَقَا الرَّمْلِ فَلَمْ ٭ تَحْفَظِ الرِّيحُ وَلَا الرَّمْلُ وَعَى». ثم يأتي البيت الختامي ليقلب ما بنته الصورتان: «لَمْ تَزَلْ لَيْلَى بِعَيْنِي طِفْلَةً ٭ لَمْ تَزِدْ عَنْ أَمْسِ إِلَّا إِصْبَعَا». فالمبالغة التي تقيس السنوات بمقدار إصبع تكشف أن الزمن توقف عند المتكلم وحده، وأن ما لم تحفظه الريح ولا الرمل حفظته عينه هو. والأهم أنه يقول ذلك على قبر امرأة ماتت راشدة، فتنكشف المسافة بين ما يراه وما يراه الجمهور، وتظهر كلفة العُرف مقيسةً بعمر كامل لا بحادثة تُروى.
ويستحق شكل المشهد وقفةً أخيرة. فقيس يوجّه كلامه كله إلى جبل، أي إلى مخاطَبٍ لا يجيب، وهذا اختيار درامي قبل أن يكون صورة شعرية: على الخشبة لا يبقى للمتكلم أحد من البشر يخاطبه، فيصير المكان آخر شاهدٍ له. وهنا يظهر أثر العُرف في أوضح صوره: يُبقي صاحبه حيًّا، ويتركه يتكلم وحده أمام حجر.
قبل أن أنتقل إلى العمل الثاني، أشير إلى قاعدة اتبعتها في قراءته: بما أنني أدرس المسرحية مترجمة، فإنني أعتمد على ما ينجو من الترجمة، أي البناء الدرامي والإرشادات المسرحية والحركة على الخشبة وترتيب المشاهد، لأن دقّة اللفظ في النص العربي صنعةُ المترجم قبل أن تكون صنعة المؤلف.
يبدأ إبسن من اللغة اليومية داخل البيت. فالزوج يخاطب زوجته في الفصل الأول بألقاب مصغَّرة تليق بحيوان أليف أو بطفلة تُدلَّل، ويبدو الأمر مديحًا لطيفًا في أول سماعه. غير أن هذه الألقاب تؤدي عملًا دقيقًا: توزّع المراتب في البيت قبل أن يوزّعها قانون أو عقد، وتضع الزوجة في موضع من يُرعى لا من يُشارك. وصلة ذلك بقضيتي أن العُرف لا يحتاج إلى نصٍّ مكتوب ليعمل، إذ يكفيه أن يسكن في كلام يومي لا ينتبه إليه أحد.
ويتحول هذا الموقع إلى صورة مرئية في الفصل الثالث، حيث يصف الإرشاد المسرحي إمساكَه بها ومحاولتَها الإفلات. وهنا يقول الجسد ما يمنع الحوارُ قولَه: تُرى العلاقة على الخشبة قبل أن تُشرح بكلمة. وأثر هذا الاختيار في الجمهور أنه ينقل السلطة من مستوى الرأي إلى مستوى المشهد، فيصير المتفرج شاهدًا على المنع لا سامعًا لوصفه. وهذه هي الطريقة التي يعمل بها العُرف في الحياة أيضًا: في تفاصيل صغيرة متكررة، لا في خطبة تُلقى.
ثم يأتي المنعطف حين ينكشف ما أخفته عنه، فتنقلب نبرة الزوج من المديح إلى التقريع داخل المشهد الواحد. وسرعة هذا الانقلاب هي الدليل: المودّة التي بدت طبيعية كانت مشروطة بالطاعة، فسقطت في اللحظة التي سقط فيها الشرط. ودلالة ذلك في قضيتي أن العُرف يمنح المرأة مكانةً ما دامت تؤدي الدور المرسوم لها، ويسحبها منها حين تخرج عنه، فتكون المكانة عاريةً مؤقتة لا حقًّا ثابتًا.
وتُختم المسرحية بفعل مسرحي لا بجملة: خروج الزوجة وإغلاق الباب وراءها. فالقرار يُقال بالحركة، ويبقى صوت الباب في أذن المتفرج بعد إسدال الستار. وأهمية هذه الخاتمة في قراءتي أنها تضع الاحتمال الآخر أمام الجمهور: الخروج من العُرف ممكن، غير أن ثمنه يُدفع مرة واحدة وعلنًا، وأمام الجميع.
يلتقي العملان إذن عند مصادرة العُرف لإرادة الفرد في الزواج، ويفترقان في الطريق الذي يسلكه كل منهما لقياس الكلفة. فمشهد شوقي ينتهي عند قبر، والمتكلم فيه يخاطب جبلًا لأن أحدًا لم يبقَ له، ومشهد إبسن ينتهي عند باب، والخارجة منه تدفع ثمن خروجها كاملًا. وبين النهايتين تتضح صورة القضية: من يبقى داخل العُرف يخسر عمره صامتًا، ومن يخرج منه يخسر مكانه دفعة واحدة.
وما زالت هذه القضية حيّة اليوم. فقرارات الزواج تُدار في مجتمعات كثيرة بحساب العائلة والسمعة، وما زال الفرد يدفع الفارق بين ما يريده وما يُنتظر منه. ويطرح العملان، على بُعد ما بينهما من زمان ومكان ولغة، سؤالًا واحدًا: من يملك أن يقرر مصير حياةٍ واحدة؟
أسئلة محتملة وأجوبتها:
تفصيل للمعايير من (أ) إلى (د)، وبيان لسبب استيفاء هذا النص لها كاملة، 40/40.