Loading subject…
من الفصل الخامس (الأخير) من مسرحية أحمد شوقي (ت 1932م) الشعرية «مجنون ليلى» (1931). في مشهد المقابر على سفح جبل التوباد، بعد أن وُوريت ليلى الترابَ، يقف قيسُ بن الملوَّح أمام جبل طفولته وطفولة ليلى فيناجيه:
جَبَلَ التَّوْبَادِ حَيَّاكَ الحَيَا ٭ وَسَقَى اللهُ صِبَانَا وَرَعَى
فِيكَ نَاغَيْنَا الهَوَى فِي مَهْدِهِ ٭ وَرَضَعْنَاهُ فَكُنْتَ المُرْضِعَا
وَحَدَوْنَا الشَّمْسَ فِي مَغْرِبِهَا ٭ وَبَكَرْنَا فَسَبَقْنَا المَطْلَعَا
وَعَلَى سَفْحِكَ عِشْنَا زَمَنًا ٭ وَرَعَيْنَا غَنَمَ الأَهْلِ مَعَا
هَذِهِ الرَّبْوَةُ كَانَتْ مَلْعَبًا ٭ لِشَبَابَيْنَا وَكَانَتْ مَرْتَعَا
كَمْ بَنَيْنَا مِنْ حَصَاهَا أَرْبُعًا ٭ وَانْثَنَيْنَا فَمَحَوْنَا الأَرْبُعَا
وَخَطَطْنَا فِي نَقَا الرَّمْلِ فَلَمْ ٭ تَحْفَظِ الرِّيحُ وَلَا الرَّمْلُ وَعَى
لَمْ تَزَلْ لَيْلَى بِعَيْنِي طِفْلَةً ٭ لَمْ تَزِدْ عَنْ أَمْسِ إِلَّا إِصْبَعَا
سؤال التوجيه: كيف يجعل شوقي من مناجاة الجبل فعلًا دراميًا لا وصفًا غنائيًا فحسب: ماذا «يفعل» قيس بالكلام هنا، وما الذي تكشفه المناجاة عنه للجمهور؟
يقف قيس بن الملوَّح في الفصل الأخير من «مجنون ليلى» لأحمد شوقي على سفح جبل التوباد بعد دفن ليلى، فيوجّه كلامه إلى الجبل لا إلى أحد من الحاضرين. والمقطع شعر مسرحي على بحر الرمل، بقافية عينية مطلقة تتكرر في آخر كل بيت. وأطروحة هذا التحليل أن المناجاة هنا فعل درامي يقع أمام الجمهور: يستدعي قيس شاهدًا لا يملك أحد تكذيبه ليثبت حبًّا أنكره الناس، وتكشف المناجاة للجمهور، من حيث لا يقصد المتكلم، أن زمنه توقف عند طفولة لم تكتمل. وسيتتبع التحليل ذلك في النداء والتشخيص، ثم في ضمير الشراكة وزمن الطفولة، ثم في صور المحو والبيت الأخير.
يبدأ المقطع بنداء يصنع مخاطَبًا من العدم: «جَبَلَ التَّوْبَادِ حَيَّاكَ الحَيَا». والدعاء بالسقيا صيغة تُقال للأحياء، وتوجيهها إلى جبل يمنحه صفة الشخص قبل أن يُذكر التشخيص صراحة. وأثر هذا الاختيار مزدوج: على المسرح لا يجيب الجبل، فيبقى الجمهور هو المتلقي الوحيد الحاضر، ويتحول كل ما يقوله قيس إلى شهادة تُلقى أمام شهود. ثم تأتي صورة المُرضِع في «فِيكَ نَاغَيْنَا الهَوَى فِي مَهْدِهِ ٭ وَرَضَعْنَاهُ فَكُنْتَ المُرْضِعَا» فتجعل الهوى مولودًا رُبِّي في حضن المكان. ودلالة الصورة أنها تنقل الحب من باب الاختيار إلى باب النشأة: من رضع شيئًا في مهده لا يملك أن يفطم نفسه عنه، فتصير مطالبة قيس بالتخلي عن ليلى مطالبةً له بأن يولد من جديد.
ويقوم القسم الأوسط على ضمير الشراكة. فالأفعال تتتابع حاملةً «نا» في «نَاغَيْنَا» و«رَضَعْنَاهُ» و«حَدَوْنَا» و«بَكَرْنَا» و«عِشْنَا» و«رَعَيْنَا»، حتى يصير الضمير نفسه إيقاعًا يتكرر مع القافية. وقوة هذا التكرار في موضعه: الجمهور يعلم أن أحد طرفَي هذا الضمير قد دُفن قبل قليل، فيسمع في كل «نا» إعلان فقدٍ يجهله المتكلم، وهذه المسافة بين ما يقوله قيس وما يعرفه الجمهور هي مصدر التوتر في المشهد كله. ويشتد هذا التوتر في «هَذِهِ الرَّبْوَةُ كَانَتْ مَلْعَبًا ٭ لِشَبَابَيْنَا وَكَانَتْ مَرْتَعَا»، إذ يجلب اسمُ الإشارة المكانَ إلى الحاضر بينما يدفع الفعل الناقص المكرر «كَانَتْ» الزمنَ إلى الماضي. فيلتقي في البيت الواحد مكانٌ باقٍ وزمنٌ ذاهب، وهذا الالتقاء هو ما يجعل الوقوف على السفح احتمالًا لا يُطاق.
ثم تُعِدّ صورتان متتابعتان للبيت الأخير. ففي «كَمْ بَنَيْنَا مِنْ حَصَاهَا أَرْبُعًا ٭ وَانْثَنَيْنَا فَمَحَوْنَا الأَرْبُعَا» يجتمع فعلا البناء والمحو في بيت واحد، ويصير الطفلان هما اللذين محوَا أثرهما بأيديهما لعبًا. وفي «وَخَطَطْنَا فِي نَقَا الرَّمْلِ فَلَمْ ٭ تَحْفَظِ الرِّيحُ وَلَا الرَّمْلُ وَعَى» يُنفى الحفظ عن الريح وعن الرمل معًا، فتُغلق كل جهة يمكن أن يبقى فيها أثر. ويأتي البيت الأخير ليقلب ما بنته الصورتان: «لَمْ تَزَلْ لَيْلَى بِعَيْنِي طِفْلَةً ٭ لَمْ تَزِدْ عَنْ أَمْسِ إِلَّا إِصْبَعَا». فما لم تحفظه الريح ولا الرمل حفظته عين قيس وحدها، والمبالغة في «إِلَّا إِصْبَعَا» تقيس سنوات كاملة بمقدار إصبع فتكشف أن الزمن توقف عنده. وأهمية هذا البيت أنه يقوله رجل يقف على قبر امرأة ماتت راشدة، فتنكشف المسافة بين ما يراه هو وما يراه الجمهور، ويتحول الرثاء إلى تشخيصٍ لحالة قائله.
تتضافر هذه الاختيارات لتجعل المناجاة فعلًا يقع أمام الجمهور: قيس ينادي ليخلق مخاطَبًا، ويشهِد المكان ليثبت حقًّا أنكره الناس، ويستعيد طفولة ليقيم عليها دعواه. ويسند ذلك اختيارٌ عروضي محكم: القافية العينية المطلقة تعيد الصوت نفسه في آخر كل بيت حتى تُسمع الأبيات نفَسًا واحدًا لا يقطعه المتكلم. غير أن هذا التماسك الصوتي هو نفسه ما يفضح صاحبه، فالمتكلم الذي يمسك خيط كلامه بهذا الإحكام هو نفسه من يخاطب جمادًا ويصف ميتة طفلةً. وبهذا يجيب المقطع عن سؤاله: ما يفعله قيس بالكلام هنا هو أنه يبني بديلًا عن العالم الذي فقده، ويكشف بذلك مقدار ما فقد.