Loading subject…
القضية العالمية التي اخترتها هي تراجع اللغة الأم داخل مجتمعها نفسه، وما يتركه هذا التراجع في هوية الجيل الجديد وفي علاقته بذاكرته. سأدرس هذه القضية في نصين يفصل بينهما أكثر من قرن: قصيدة «اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها» لحافظ إبراهيم، وعمود «ليست العربيةُ من يحتاج إلى إنقاذ» لجمانة الأيوبي من زاويتها الأسبوعية «إشارة ضوئية». ويلتقي النصان في موضع واحد: كلاهما يرفض تفسير تراجع اللغة بعامل خارجي، وكلاهما يوجّه الاتهام إلى أهلها. ويفترقان في الطلب، إذ تنادي القصيدة قومها طلبًا للنجدة، ويرفض العمود كلمة الإنقاذ من عنوانه. وسأتناول القصيدة أولًا، ثم العمود، ثم أقارن بينهما في الخاتمة.
تبدأ القصيدة بقرار شكلي يحكم كل ما بعده، وهو أن المتكلمة فيها هي اللغة العربية نفسها. تقول: «رَجَعتُ لِنَفسي فَاتَّهَمتُ حَصاتي / وَنادَيتُ قَومي فَاحتَسَبتُ حَياتي». والتشخيص هنا يفعل أكثر من تجميل الفكرة، لأنه ينقل القضية من مستوى الخسارة الثقافية المجردة إلى مستوى ضرر يقع على كائن قادر على الشكوى. ويزيد ترتيب الشطرين هذا الأثر إحكامًا، فاللغة تتهم عقلها هي أولًا، ثم تنادي قومها ثانيًا. وهذا التدرج يمنح اللوم مصداقيته، لأن من يبدأ بمساءلة نفسه يُصدَّق حين ينتقل إلى مساءلة غيره. وأثر ذلك في المستمع أنه يجد نفسه أمام طرف مظلوم بذل ما يملك قبل أن يستنجد، فيصعب عليه أن يقرأ القصيدة شكوى من ضعيف يطلب العطف.
ويتضح موقع المسؤولية في البيت الذي صار أشهر ما في القصيدة: «أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ / فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي». تثبّت الاستعارة أن الثروة موجودة، فتغلق باب الاتهام الأول الموجّه إلى اللغة بالفقر أو بالعجز عن مسايرة العصر. ثم يأتي الاستفهام الإنكاري حاملًا جوابه في صيغته، فينقل موضع العيب إلى من لم يسأل. والكلمة الحاسمة في البيت هي «كامن»، لأنها تصف ثروة حاضرة تنتظر من يستخرجها. وبهذا تُصاغ القضية العالمية صياغة دقيقة: الخلل في الإقبال، والمخزون على حاله. وفي هذا ما يفسر إصابة الظاهرة نفسها لغات ذات تراث عظيم، فحجم التراث لا يحمي لغة من الهجر.
ويعمل عنوان القصيدة عمل الإطار الذي يقرأ فيه المستمع كل ما يليه. فاللغة «تنعى حظها»، والنعي مقام يُخصّ به الميت. وباختيار غرض الرثاء لمخاطبة كائن حي، يقيس الشاعر التراجع بمقياس الموت، ويمنح المسألة حجمًا لا تحتمله لغة الشكوى العادية. ويتصل هذا الاختيار بتقليد شعري يعرفه المستمع العربي جيدًا، إذ اعتاد أن يسمع الرثاء في وداع الأشخاص والمدن، فيباغته أن يسمعه على لسان لغة. وأثر هذه المباغتة أنها تجعل الهجر اللغوي حدثًا جللًا، وتمنع المستمع من عدّه عادة اجتماعية يمكن التعايش معها.
ثم توسّع القصيدة القضية حتى تخرج من حدود بلد واحد. تقول: «أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزًّا وَمَنعَةً / وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ». ويربط البيت مكانة اللغة بمكانة أهلها ربطًا صريحًا، فينقل المسألة من باب الذوق إلى باب القوة. وهذا الربط هو ما يجعل القضية عالمية بالمعنى الدقيق، لأنه يفسر تكرار الظاهرة كلما اختل ميزان القوة بين ناطقي لغتين. والقصيدة إذ تقول ذلك في مطلع القرن العشرين، تصف حالًا سياسية كانت العربية تعيشها تحت هيمنة أوروبية، فتبيّن أن الهجر اللغوي عرضٌ من أعراض موازين أوسع من اللغة.
أنتقل الآن إلى مجموعة الأعمال غير الأدبية، وهي زاوية «إشارة ضوئية» التي تكتبها جمانة الأيوبي في صحيفة «المنارة الجديدة»، وسأشتغل على الحلقة المعنونة «ليست العربيةُ من يحتاج إلى إنقاذ». تعالج الكاتبة القضية نفسها بأداة صحفية خالصة هي التكرار الاستهلالي. تقول: «اللغات لا تقتلها الخوارزميات؛ تقتلها الأمهات حين يتباهين بعجز أبنائهن عنها، وتقتلها المدارس حين تجعل حصتها سلة عقاب، وتقتلها النخب حين تعقد المؤتمرات عن «التمكين للغة الضاد» ثم توزع دعواتها بالإنجليزية». ويعمل التكرار هنا عمل قائمة اتهام، إذ يسمّي كل شطر فاعلًا محددًا وفعلًا محددًا وموضعًا محددًا. وأثره في القارئ أنه ينتزع القضية من خانة الظروف المجهولة ويضعها في خانة الأدوار الاجتماعية المعروفة، فيجد كل قارئ نفسه في واحد من هذه الأدوار.
وتبني الكاتبة على هذا الاتهام استعارة تحسم موقفها من التقنية. تقول: «الآلة مرآة تُرينا بدقة موضع لغتنا في سلّم أولوياتنا. والمرايا، كما هو معلوم، لا تُتَّهم بالقبح». تنقل الاستعارة الذنب من الأداة إلى مستعملها، ثم تأتي الجملة الثانية في صورة حكمة عامة يصعب الاعتراض عليها، فتغلق باب الجدل بمقدمة تبدو بديهية. وهذه حيلة حجاجية دقيقة، لأن القارئ الذي يقبل المقدمة يجد نفسه قد قبل النتيجة معها. وأثر ذلك في القضية العالمية أنه يعيد صياغتها بوصفها مسألة أولويات يختارها الناس كل يوم، فيسقط تفسير الغزو التقني الذي يريح الجميع من المسؤولية.
ويستحق بناء العمود وقفة، لأنه يصعد بالقضية من الحادثة إلى الحكم. يفتتح العمود بمشهد أم تتباهى في حفل مدرسي بأن ابنتها ذات الأعوام الخمسة «لا تتكلم العربية إطلاقًا»، وينتهي باستعارة بستان مهجور. وبين المشهد والاستعارة يمر النص بقلب الفرضية الشائعة، ثم بقائمة الاتهام، ثم باعتراض متوقع تردّ عليه الكاتبة بنفسها. ووظيفة المشهد الافتتاحي أنه يمنح الحجة دليلًا محسوسًا قبل أن تُطرح، فيقبل القارئ التعميم لأنه رأى مثاله. وهذا البناء يخدم القضية العالمية خدمة مباشرة، لأنه يثبت أن الظاهرة تُعاش في اليوم العادي، وأن مكانها حفل مدرسي لا مؤتمر لغوي.
وتختم الكاتبة باستعارة ممتدة تجمع أطروحتها كلها: «العربية بستان هجره أهله، يطل عليه الجيران فيرون شجرًا عظيمًا يعلوه عشب الإهمال». تنقل الصورة سبب الخراب من الخارج إلى الغياب، فالبستان لم يُقطع، وإنما تُرك. ثم تدعو الكاتبة من شاء أن يدخل بفأسه الرقمية الجديدة، وتشترط عليه شرطًا واحدًا في آخر كلمة من العمود: «فليدخل أولًا». وفي هذا الشرط تقويم للتقنية من غير رفض لها، إذ تقبل الكاتبة خطر الفأس وتجعله أهون من خطر الهجر. وبهذا تنتقل القضية من التشخيص إلى الفعل، ويصير الحضور شرطًا سابقًا على كل نقاش عن الخطر.
يلتقي النصان إذن عند حقيقة واحدة على الرغم من القرن الذي يفصل بينهما: اللغة لا تموت بفعل خصم خارجي، وإنما بغياب أهلها. ويجسّد كلاهما اللغة في صورة محسوسة، فتتكلم في القصيدة بضمير المتكلم عبر التشخيص، وتصير في العمود بستانًا يُرى من بعيد في استعارة ممتدة. ويبقى الفارق بينهما هو الأهم في هذه المقارنة، فالقصيدة تنادي قومها طلبًا للنجدة، والعمود يرفض لفظ الإنقاذ من عنوانه ويطلب الحضور بدلًا منه. ويفسَّر هذا الفارق بالسياق، إذ تخاطب قصيدة مطلع القرن قومًا تنقصهم الوسائل، ويخاطب عمود اليوم قومًا تتوافر لهم الوسائل وتنقصهم الأولوية. وأخلص من الجمع بين النصين إلى أن هذه القضية لا تُقاس بعدد الناطقين بلغة، وإنما بعدد الذين يختارونها وهم يملكون سواها.
السؤال الأول: لماذا اخترت عملين يفصل بينهما أكثر من قرن؟
لأن المسافة الزمنية هي التي تجعل التقويم ممكنًا. لو اخترت نصين معاصرين لأثبتّ أن القضية قائمة اليوم فحسب. أما وضع القصيدة إلى جانب العمود فيكشف أن التشخيص لم يتغير منذ مطلع القرن العشرين، وأن ما تغيّر هو ما يُطلب من القارئ: نجدة في القصيدة، وحضور في العمود. والفارق بين الطلبين يقول شيئًا عن تحول موقع اللغة، لأن الاستنجاد يفترض العجز، والدعوة إلى الدخول تفترض القدرة والامتناع.
السؤال الثاني: ألا يبرّئ العمود التقنية أكثر مما ينبغي؟
هذا اعتراض وجيه، وأرى أن الكاتبة تنتبه إليه وتردّ عليه بصورة الفأس. فهي لا تصف الأداة بأنها بريئة تمامًا، إذ اختارت للتقنية اسمًا حادًّا هو الفأس، وهو اسم يحمل احتمال القطع. غير أنها تجعل هذا الخطر لاحقًا لخطر أكبر هو الهجر، ولذلك جاء شرطها في آخر العمود: «فليدخل أولًا». وأقرأ هذا موقفًا مرتبًا لا تبرئة، لأنه يضع الأولوية قبل الحكم على الأداة.
السؤال الثالث: كيف يخدم غرض الرثاء حجة القصيدة؟
يخدمها بأن يفرض على المستمع مقياسًا محددًا. فالرثاء لا يُقال إلا فيما فُقد، فحين تنعى اللغة حظها وهي حيّة، ينشأ توتر بين حال المتكلمة وغرض القول. وهذا التوتر هو الحجة نفسها: اللغة تحيا وتُعامل معاملة الميت. ولو اختار الشاعر غرض الفخر لانصرفت القصيدة إلى تعديد المحاسن، ولخسر البيت الذي يقول «فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ» أثره، لأن الفخر يخاطب الخصم، والرثاء يخاطب الأهل.
كيف تضيع الدرجة في هذا المعيار
أوضح مواضع القوة في هذا العرض
كيف تضيع الدرجة في هذا المعيار