Loading subject…
سَيَعْلَمُ الجَمْعُ مِمَّنْ ضَمَّ مَجْلِسُنَا ٭ بِأَنَّنِي خَيْرُ مَنْ تَسْعَى بِهِ قَدَمُ
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي ٭ وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ٭ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ
يبني المتنبي في هذه الأبيات ذاتًا شاعرة تتجاوز حدود الممكن، فيحوّل العتاب الخاص إلى دعوى عامة في التفرد يشهد لها العالم كله.
يظهر ذلك في الطباق المزدوج في «أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي ٭ وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ»، وفي التعداد الختامي «الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي».
يبني المتنبي في هذا المقطع ذاتًا شاعرة تتجاوز حدود الممكن، فيحوّل عتابًا خاصًّا لسيف الدولة إلى دعوى عامة في التفرد يشهد لها العالم كله. ويبدأ ذلك من صيغة التعريف في «أَنَا الَّذِي»، إذ تجعل الجملةُ الاسميةُ التفوقَ صفةً ثابتة في الذات بدل حدث عارض، فتُغلق باب المنازعة قبل أن يُفتح. ثم يأتي الطباق المزدوج في «نَظَرَ الأَعْمَى» و«أَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ» ليقيس هذا التفوق بخرق قانون الطبيعة، فتصير البلاغة قوة تفعل في الأجساد وتردّ الحواس المفقودة، وتخرج بذلك من دائرة المفاضلة بين الشعراء. والمبالغة هنا تعمل عملًا مزدوجًا: الشاعر يقول دعواه ويقيم برهانها في اللحظة نفسها، لأن البيت الذي يزعم أثر الشعر هو نفسه أثر شعري بالغ. ثم ينتقل المقطع من الدعوى إلى الشهادة بـالتعديد في «الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ٭ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ»؛ وتقديم الأسماء على فعل المعرفة يجعل الاعتراف صادرًا عن العالم نحو الشاعر، فيظهر واقعًا قائمًا يستغني عن إقرار المجلس. والأخطر في هذا التعداد إقحام القرطاس والقلم بين أدوات الحرب، فتُمحى المسافة بين الفارس والكاتب وتصير الكتابة ميدانًا يُنتصر فيه كما يُنتصر بالسيف. ويسند ذلك كله رويُّ الميم المضمومة الذي يعيد تثبيت النبرة في آخر كل بيت، فيبدو الفخر حكمًا مقررًا يُعاد إعلانه. وبهذا لا يكون المقطع استعراضًا للقدرة، فهو حجّة في خصومة: شاعرٌ محاصَر بالوشاة يثبت أن قيمته قائمة بغير إذن أميره.
اكتب فقرة تحليلية عن البيتين التاليين من القصيدة نفسها:
وَجَاهِلٍ مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكِي ٭ حَتَّى أَتَتْهُ يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ
إِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً ٭ فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ
مستعينًا بإطار الفكرة والشاهد والشرح والربط، حلّل كيف يبني المتنبي صورة الذات القادرة عبر الانتقال من الحكاية إلى الحكمة. ينبغي أن:
Solution
المستوى 1
المستوى 2
المستوى 3
المستوى 4
المستوى 5
المستوى 6
المستوى 7
نموذج إجابة في المستوى 7
ينقل المتنبي في هذين البيتين دعوى القوة من الحكاية إلى الحكمة، فيجعل تجربته الخاصة قانونًا عامًّا يُقاس عليه. ويبدأ بواو ربّ في «وَجَاهِلٍ»، وهي صيغة تفتح على حادثة واحدة من كثير، فيبدو الجاهل نموذجًا متكررًا لا خصمًا بعينه. ثم يقلب الشاعر دلالة الضحك: «مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكِي» تجعل الحلم الظاهر سببًا في هلاك صاحبه، فيتحول السكوت من ضعف إلى فخّ. ويأتي المجاز المرسل في «يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ» ليحذف الفاعل ويترك أعضاءه وحدها تعمل، فيبلغ العقاب القارئ مجرّدًا من التردد الذي يصحب الأشخاص. ثم ينتقل البيت الثاني إلى أسلوب الشرط «إِذَا رَأَيْتَ... فَلَا تَظُنَّنَّ»، وفعل النهي المؤكد بالنون الثقيلة يخاطب كل قارئ، فتخرج التجربة من صيغة الحكاية إلى صيغة الحكمة الملزمة. واستعارة الليث تجمع الشطرين: أنياب بارزة تشبه ابتسامة، فيصير المظهر الودود نفسه علامة الخطر. وحين يوضع البيتان في سياق قصيدة تُقال في مجلس امتلأ بالوشاة، يظهر أن الفخر هنا إنذار مغلّف بحكمة: الشاعر يخبر خصومه أن صبره عليهم لم يكن عجزًا، ويترك الأمير نفسه في موضع من يقرأ التحذير ويقدّر معناه.