Loading subject…
محور البحث: كيف يبني أبو الطيب المتنبي في ميمية «واحَرَّ قَلْباهُ» صورةً للذات الشاعرة تجعل القصيدة نفسها برهانًا على دعواها؟
المقدمة
يقوم الفخر في القصيدة العربية على عرف قديم يتيح للشاعر أن يتحدث عن نفسه بلغة التفضيل والمبالغة، وقلّ أن استُثمر هذا العرف كما استثمره أبو الطيب المتنبي (915 إلى 965 للميلاد) في ميميته «واحَرَّ قَلْباهُ»، التي قالها في عتاب سيف الدولة الحمداني بعدما سعى الوشاة بينه وبين الأمير في مجلسه بحلب. يتحول العتاب في هذه الأبيات إلى مساحة يقيم فيها الشاعر دعواه على نفسه بنفسه، فيخاطب مجلسًا حاضرًا، ويصوغ تجربته الخاصة في هيئة حكمة عامة، ويختم بتعديدٍ يجمع أدوات الفروسية وأدوات الكتابة. أطروحة هذا المقال أن المتنبي يجعل القصيدة نفسها هي الدليل على دعواه: الذات التي يصفها تثبت بأداء اللغة أمام السامع، ويجري إثباتها في اللحظة التي تُقال فيها. وليست هذه الحركة طارئة على شعر المتنبي، فديوانه كله مبني على سلطة القول وقدرته على فرض صاحبه، غير أن أبيات الميمية تكشف آلية هذا البناء في أوضح صورها وأكثرها اكتمالًا. ويتصل هذا المحور بمفهوم التمثيل، إذ يصير بناء الصورة الشعرية للذات موضوعًا للقصيدة قبل أن يكون وسيلة فيها. وسيتتبع المقال هذا البناء في أربع محطات: المجلس بوصفه محكمة، والمفارقة المستحيلة، والحكمة قناعًا للتهديد، والتعديد الختامي.
الفقرة الأولى: المجلس يتحول إلى محكمة
يفتتح الشاعر مقطعه بتحويل المجلس من فضاء اجتماعي إلى ساحة يصدر فيها حكم:
سَيَعْلَمُ الجَمْعُ مِمَّنْ ضَمَّ مَجْلِسُنَا ٭ بِأَنَّنِي خَيْرُ مَنْ تَسْعَى بِهِ قَدَمُ
تعمل السين في «سَيَعْلَمُ» على تأجيل العلم إلى زمن قادم، فتتحول الدعوى من خبر يُصدَّق أو يُكذَّب إلى وعد قابل للتحقق. ويكشف اختيار الفعل «يَعْلَمُ» دون «يَعْرِفُ» أن المطلوب يقين لا معرفة عابرة. أما الإضافة في «مَجْلِسُنَا» فتحتفظ للشاعر بموقعه داخل الجماعة التي يتحداها، فيبقى واحدًا من أهل المجلس وخصمًا لهم في الوقت نفسه، وهذا الموقع المزدوج هو ما يمنح الأبيات نبرتها الحادة. وتأتي الكناية في «خَيْرُ مَنْ تَسْعَى بِهِ قَدَمُ» لتوسّع دائرة التفضيل: ذكرُ القدم يستدعي جنس البشر كله عبر لازم من لوازمه، فينتقل التفضيل من حاضري المجلس إلى الناس جميعًا من غير أن يقول الشاعر ذلك صراحة. ويلفت النظر أن الشاعر لا يستعطف أميرًا مصغيًا ولا يطلب من المجلس اعترافًا، بل يقرر حقيقة ويحيل إثباتها على الزمن، فيضع خصومه في موضع من ينتظر البرهان لا في موضع من يملك الحكم. وأهمية هذه الحركة أنها تحدد وظيفة القصيدة كلها: البيت يَعِد ببرهان، والأبيات التالية هي هذا البرهان.
الفقرة الثانية: المستحيل يُقدَّم بوصفه واقعة
ينتقل الشاعر بعد الوعد إلى إثباته، فيصوغ تفوّقه في صورة مفارقة تلغي حدود الجسد:
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي ٭ وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
يقوم البيت على طباق مزدوج: «الأَعْمَى» في مواجهة «نَظَرَ»، و«أَسْمَعَتْ» في مواجهة «صَمَمُ». وتكمن قوة الصورة في زمن الفعل: الفعلان ماضيان، فالمستحيل يُقدَّم أمرًا منقضيًا قد وقع. ويعرّف الشاعر نفسه بصلة الموصول في «أَنَا الَّذِي»، فتصير هويته هي فعلها، ويصبح أدبه هو التعريف الوحيد الذي يقدّمه عن ذاته. واختيار الأعمى ومن به صمم ليس مبالغة عابرة، فهما أقصى حالتي الامتناع عن الإدراك، ومتى بلغ الأدب من فقد أداة إدراكه صار ذيوعه أمرًا لا يتوقف على الحواس، وصارت شهرته من جنس ما يعلمه الناس بالضرورة لا من جنس ما يُروى فيُصدَّق أو يُكذَّب. ويكمل البيت التالي هذا البناء بمقابلة من نوع آخر:
أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا ٭ وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ
تجعل كلمة «شَوَارِدِهَا» المعاني حيوانًا شاردًا يُصاد، ويقابل نومُ الشاعر ملء جفونه سهرَ الناس واختصامهم حولها. والمعنى الذي يخرج من هذه المقابلة أن التفوق يُقاس بالجهد المبذول لا بالنتيجة وحدها: ما يشقّ على الخلق يقع للشاعر عفوًا. كما أن إسناد السهر إلى الخلق جميعًا، لا إلى شعراء عصره وحدهم، يوسّع ميدان المنافسة إلى أقصاه، فلا يبقى للتفوق معنى محلي يخص مجلسًا أو بلاطًا بعينه. وأهم من ذلك أن خصومة الناس تتحول إلى دليل في صالحه، فانشغال المجلس بشعره هو نفسه ما وعد به في البيت الأول حين قال «سَيَعْلَمُ الجَمْعُ»، ويصبح خصومُه شهودَه من غير أن يقصدوا.
الفقرة الثالثة: الحكمة قناع للتهديد
تنتقل الأبيات بعد ذلك من الدعوى إلى التحذير، وتفعل ذلك بنقل واقعة خاصة إلى مستوى القانون العام:
وَجَاهِلٍ مَدَّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكِي ٭ حَتَّى أَتَتْهُ يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ
إِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً ٭ فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ
يروي البيت الأول حادثة بصيغة النكرة المجرورة «وَجَاهِلٍ»، وهي صيغة تجعل الحادثة نموذجًا متكررًا يستحضره الشاعر متى شاء. ويقرأ السامع الضحك في أوله حِلمًا، ثم يتبين مع «يَدٌ فَرَّاسَةٌ وَفَمُ» أنه كان كمينًا، فيعيد النظر فيما فهمه قبل سطر واحد. ثم يأتي البيت الثاني ليحوّل الحادثة إلى شرط وخطاب عام: «إِذَا رَأَيْتَ» في مقابل «فَلَا تَظُنَّنَّ»، ونون التوكيد الثقيلة تنقل النهي من نصيحة إلى حكم لا يُردّ. وتعيد صورة الليث تفسير المشهد كله: الأنياب البارزة هي نفسها ما بدا ابتسامة. ودلالة هذه الحركة أن السامع يُستدرَج إلى منطق الشاعر من حيث لا يحتسب، فهو يتلقى تهديدًا شخصيًا في هيئة معرفة بالعالم، ويصدّقه بوصفه حكمة لا بوصفه دعوى خصم. وهنا تلتقي وظيفتا الشاعر في هذا المقطع: الحكيم الذي يقرر قوانين الطبيعة، والمقاتل الذي ينذر عدوّه.
الفقرة الرابعة: تعديدٌ يجمع السيف والقلم
تنتقل الأبيات الأخيرة إلى ميدان الفروسية، وتبني السرعة والبأس بأدوات نحوية قبل أن تبنيهما بالمعاني:
وَمُهْجَةٍ مُهْجَتِي مِنْ هَمِّ صَاحِبِهَا ٭ أَدْرَكْتُهَا بِجَوَادٍ ظَهْرُهُ حَرَمُ
رِجْلَاهُ فِي الرَّكْضِ رِجْلٌ وَاليَدَانِ يَدٌ ٭ وَفِعْلُهُ مَا تُرِيدُ الكَفُّ وَالقَدَمُ
تنقل الاستعارة في «ظَهْرُهُ حَرَمُ» حرمةَ المكان المقدس إلى ظهر الفرس، فيصير الراكب في مأمن ما دام فوقه. وافتتاح البيت بالنكرة المجرورة «وَمُهْجَةٍ» يجعل إنقاذ النفوس عادة من عادات الفارس لا واقعة يتيمة، فهي الصيغة نفسها التي جعلت «وَجَاهِلٍ» نموذجًا متكررًا، ويتسع بها الفخر من حادثة بعينها إلى سيرة كاملة. ويعمل البيت التالي على جعل السرعة أمرًا مرئيًا في التركيب نفسه: أربعة أعضاء تُختزل إلى اثنين في «رِجْلٌ وَاليَدَانِ يَدٌ»، فتُدرَك السرعة في بنية الجملة قبل أن تُدرَك في صورتها. ويبلغ هذا البناء ذروته في بيت السيف:
وَمُرْهَفٍ سِرْتُ بَيْنَ الجَحْفَلَيْنِ بِهِ ٭ حَتَّى ضَرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ
تنقل استعارة «مَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ» المعركة البرية إلى بحر هائج، ويبقى الفعل المضارع «يَلْتَطِمُ» في حركة دائمة بينما انقضى فعل الشاعر «ضَرَبْتُ» في الماضي، فيظهر الفارس ثابتًا وسط اضطراب لا يهدأ. وفي جعل الموت بحرًا يلتطم موجه قلبٌ للمشهد: صار الموت عنصرًا طبيعيًا لا فعلًا بشريًا، وصارت نجاة الشاعر منه من جنس العبور في عنصر هائج لا من جنس الحظ العابر. ثم تُجمع هذه العناصر كلها في بيت واحد:
الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ٭ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ
يحشد البيت سبعة أسماء معطوفة، ويسند إليها فعل «تَعْرِفُنِي»، فينعكس اتجاه المعرفة: العالم هو الذي يشهد، والشاعر مفعول به في التركيب وفاعل في المعنى. وتنقسم الأسماء السبعة قسمين: ثلاثة تصف ظرف الفروسية من خيل وليل وبيداء، وأربعة تصف أدواتها من سيف ورمح وقرطاس وقلم. ووضعُ القرطاس والقلم في آخر التعديد، مع أداتي الحرب وفي نسقهما الصوتي نفسه، يجعل الكتابة فعلًا من جنس الضرب بالسيف. ويزيد البناء إحكامًا أن الأسماء السبعة جاءت كلها معرفة بأل، فهي أجناس بأكملها لا أفراد منها: الخيل كلها والليل كله والبيداء حيث كانت، حتى لكأن الشاعر يستشهد بالعالم أنواعًا لا بوقائع متفرقة. وبهذا تكتمل الدعوى التي بدأت بـ«سَيَعْلَمُ الجَمْعُ»: القصيدة التي وعدت بالبرهان قدّمت نفسها بوصفها البرهان.
الخاتمة
تبني هذه الأبيات صورة الذات الشاعرة على أداء اللغة أمام سامع حاضر، فتتحول الدعوى إلى وعد في البيت الأول، ثم إلى واقعة منجزة في المفارقة، ثم إلى قانون عام في الحكمة، ثم إلى شهادة يؤديها العالم كله في التعديد الختامي. ويسند هذا التدرجَ اختيارٌ عروضي محكم: البحر البسيط بطوله يتيح للبيت أن يحمل جملتين متقابلتين، والقافية الميمية المطلقة تعيد الصوت نفسه في آخر كل بيت حتى تصير الأبيات كتلة واحدة يصعب فصل دعوى منها عن سابقتها. غير أن قراءة هذه الصورة تحتاج إلى تحفظ أخير: المتكلم في القصيدة صوت مصنوع داخل عرف الفخر، وله من التقليد الشعري ما ليس له من سيرة الرجل، ومن يقرأ الأبيات ترجمةً لحياة أبي الطيب يفوّت البناء الذي يجعلها شعرًا. وقيمة هذا المقطع في مختارات الديوان أنه يكشف ما يفعله المتنبي في مواضع كثيرة غيره: يحوّل موقفًا شخصيًا عابرًا إلى دعوى عامة عن الشعر وقدرته، فيصير الفخر عنده نظريةً في وظيفة الشاعر قبل أن يكون كلامًا عن الذات.