Loading subject…
في حفل مدرسي حضرتُه الأسبوع الماضي، وقفت أم فخورة تحدّث جارتها بأن ابنتها ذات الأعوام الخمسة «لا تتكلم العربية إطلاقًا»، بنبرة من يعلن عن إنجاز عائلي. وفي اليوم نفسه، طالعتُ مقالًا يدق ناقوس الخطر: الذكاء الاصطناعي سيقتل اللغة العربية!
فلنتفق إذن على تحديد هوية القاتل قبل توزيع صور الضحية.
منذ متى كانت اللغات تموت في المختبرات؟ اللغات لا تقتلها الخوارزميات؛ تقتلها الأمهات حين يتباهين بعجز أبنائهن عنها، وتقتلها المدارس حين تجعل حصتها سلة عقاب، وتقتلها النخب حين تعقد المؤتمرات عن «التمكين للغة الضاد» ثم توزع دعواتها بالإنجليزية. أما الآلة فلا تكره لغتنا ولا تحبها؛ الآلة مرآة تُرينا بدقة موضع لغتنا في سلّم أولوياتنا. والمرايا، كما هو معلوم، لا تُتَّهم بالقبح.
بل إن في القصة وجهًا معكوسًا لا نريد رؤيته: لم تحظَ العربية منذ عصر الورّاقين بفرصة تقنية كهذه. نماذج تقرأ تراثنا كله في ثوانٍ، وتفهرس ما أعيا أجيالًا من الباحثين، وتفتح النص القديم أمام طالبة في السابعة عشرة من غير وسيط ولا عائق. فأي منطق هذا الذي يرى في المحرّك خطرًا على حصانٍ رفضنا أصلًا أن نطعمه؟
سيقول قائل: لكن المحتوى العربي على الشبكة فقير، والنماذج تتعلم من ركاكته. صحيح. ومن كتب هذا المحتوى الفقير؟ نحن. ومن يقدر على إغنائه؟ نحن أيضًا. لن ينقذ العربيةَ بيانٌ ختامي، ولن ينقذها وسمٌ غاضب يعيش أربعًا وعشرين ساعة، ولن تنقذها قاعةٌ مكيفة تُلقى فيها الخطب عن «لغتنا الخالدة» ثم يخرج أهلها يراسلون أبناءهم بحروف لاتينية. تنقذها أم تقرأ لطفلها حكاية قبل النوم، ومعلم يجعل النحو لعبة لا مقصلة، وصانع محتوى يثبت كل يوم أن الفصحى تصلح للعلم والسخرية والحب جميعًا.
العربية ليست مريضة على سرير ينتظر أهلُها حولها جهاز إنعاش اصطناعيًا؛ العربية بستان هجره أهله، يطل عليه الجيران فيرون شجرًا عظيمًا يعلوه عشب الإهمال. فليدخل من شاء بفأسه الرقمية الجديدة — ولكن، فليدخل أولًا.
«الأطروحة»
الأطروحة هي ادعاء مركزي محدد يجيب عن السؤال التوجيهي، ويربط اختيارات منشئ النص بـالغرض أو الأثر الذي سيبرهن عليه التحليل بالأدلة.