Loading subject…
«صفحة الويب»
صفحة الويب هي نص رقمي يُعرض ضمن موقع إلكتروني ويجمع اللغة والتخطيط البصري والعناصر التفاعلية لتحقيق غرض محدد لدى المتلقي.
محور البحث: كيف تحوّل سلسلةُ منشورات «قارئ من القاهرة» خبرَ إغلاق مكتبة إلى قضية عامة تستدعي فعلًا جماعيًا؟
تعمل حملات المناصرة على المنصات الرقمية في مساحة ضيقة: منشورات قصيرة، وقارئ عجول، ومنافسة دائمة على الانتباه. وفي هذه المساحة نشر حساب «قارئ من القاهرة» أربعة منشورات متتابعة عن إغلاق مكتبة الحلمية، تحت وسم «#أنقذوا_مكتبة_الحلمية». وتقوم أطروحة هذا المقال على أن السلسلة تنجح لأنها مرتبة ترتيبًا يخدم غرضًا واحدًا: تحويل واقعة عقارية خاصة إلى واجب عام. فهي تبدأ بإعادة تصنيف الخبر حتى يتغير الموقف المطلوب من القارئ، ثم تنقل ملكية المكان من فرد إلى حي، ثم تسند الدعوى إلى صوت غير صوت صاحب الحساب، ثم تحوّل ما تراكم من انفعال إلى ثلاثة أفعال محددة. وسيتتبع المقال هذه الخطوات الأربع بالترتيب نفسه، ثم يقرأ أرقام التفاعل والردود المنشورة بوصفها جزءًا من النص لا أثرًا خارجًا عنه.
يفتتح المنشور الأول برقم يمنح المكان سيرة: «بعد ٦٣ عامًا من فتح أبوابها، تُغلق مكتبة الحلمية نهاية هذا الشهر» (١/٤). ويؤدي الرقم وظيفة مزدوجة، إذ يثبت قدم المكان ويقيس ما سيُفقد بمقياس زمني يفهمه كل قارئ. ثم ينقل النص كلام المالك الجديد داخل علامتي تنصيص: الحي «يحتاج مقهى بمفهوم عصري» أكثر مما يحتاج كتبًا. والاقتباس هنا أداة إدانة، لأن الحساب يعرض العبارة من غير تعليق ويترك ركاكتها الإدارية تعمل عمل التعليق. وتأتي بعد ذلك الجملة التي تحكم السلسلة كلها: «هذا ليس خبرًا عقاريًا يا أصدقاء؛ هذه جنازة». وتعمل هذه الجملة على مستوى التصنيف قبل أن تعمل على مستوى العاطفة، إذ تسمّي للقارئ نوع الحدث الذي يقرأه، ومن ثمّ نوع السلوك المترتب عليه. فالخبر العقاري يُقرأ ويُنسى، أما الجنازة فتُحضَر ويُشارَك فيها. ويثبت المنشور الرابع أن هذا التصنيف كان تخطيطًا لا انفعالًا، لأن الفعل الذي تطلبه الحملة في نهايتها حضورٌ جسدي أمام المكان في موعد محدد. وبهذا تصير الاستعارة الافتتاحية برنامجًا للعمل، وتفقد صفة الزينة اللفظية التي تُلحق عادةً بمثل هذه العبارات. ويسند هذا التصنيفَ نداءٌ صغير يمر من غير أن يلفت الانتباه، وهو «يا أصدقاء». فالحساب لا يخاطب متابعين ولا رأيًا عامًا، وإنما يخاطب جماعة تفترض عَلاقة سابقة، وهي الصيغة التي تُقال بها الأخبار المؤلمة داخل الدائرة القريبة. ويُلاحظ أخيرًا أن ترتيب المنشور نفسه يصنع أثره: رقمٌ يمنح المكان عمرًا، ثم عبارةٌ إدارية باردة على لسان المالك، ثم جملةُ التصنيف. فالقارئ يصل إلى كلمة «جنازة» وقد سبق أن قاس عمر المكان وسمع من يستهين به، ولذلك تبدو الكلمة استنتاجًا لا مبالغة.
ينتقل المنشور الثاني من صيغة الخبر إلى صيغة الشهادة الشخصية، فيتغير الضمير والزمن معًا: «على هذا الرصيف كان أبي يشتري لي روايات الجيب بجنيه واحد» (٢/٤). وتفعل التفاصيل الصغيرة هنا ما تعجز عنه الأحكام العامة، فالجنيه الواحد ودفتر الاستعارة الذي «لا يراجعه أحد» يرسمان اقتصادًا قائمًا على الثقة، ويقفان في مواجهة صامتة مع اقتصاد المالك الجديد الذي يقيس الحي بما يدرّه. ثم يصف الحساب المكان بأنه «صندوق أمانات لطفولة حي بأكمله»، فيستعير لغة المصارف ليصف ما لا تحسبه المصارف. وتكمن قوة هذه الاستعارة في أنها تخاطب خصمها بلغته: من يقيس العمارة بالإيجار يُقال له إن في الطابق الأرضي ودائع لها أصحاب. ويكتمل الأثر بحركة الضمير في المنشور نفسه، إذ يبدأ بـ«لي» وينتهي بـ«حي بأكمله». وهذه الحركة هي حجة المقال في صورتها المصغّرة، لأن العريضة التي سيطلبها المنشور الرابع تحتاج إلى ملكية جماعية تسوّغ التوقيع الجماعي. ولو بقيت الذكرى خاصة لظل الاعتراض عليها ممكنًا بحجة أن صاحبها يدافع عن حنينه هو. ويحمل اختيار «روايات الجيب بجنيه واحد» بعدًا اجتماعيًا يعمل في صمت، لأن الرواية الرخيصة سلعة من لا يملك، فتقف في مواجهة «مقهى بمفهوم عصري» الذي يعد به المالك. ومن هنا تنشأ في السلسلة خصومة بين مكان يخدم من لا يملك ومشروع يخدم من يدفع، من غير أن يقول النص ذلك بلفظ صريح.
يسلّم المنشور الثالث الكلام إلى غير صاحب الحساب، فينقل شهادة «عم سيد، البائع فيها منذ عام ١٩٨٤» (٣/٤). وترد الشهادة بالعامية المصرية داخل نص فصيح، ويعلن الحساب هذا الانتقال صراحة حين يقول: «قال لي بالعامية المصرية». ويؤدي هذا الإعلان وظيفة توثيقية، لأنه يقدّم العبارة بوصفها منقولة كما قيلت، فتُقرأ تسجيلًا لا صياغة. ثم يأتي مضمون الشهادة ليغلق أخطر اعتراض على الحملة: «أنا مش زعلان على الرزق يا ابني، أنا زعلان على العيال اللي عمرها ما هتعرف المكان ده». فالرجل الوحيد الذي يخسر دخله ماديًا هو الذي ينفي عن نفسه الدافع المادي، ومن ثمّ يتعذر ردّ الحملة إلى دفاع عن وظائف مهددة. ويختم المنشور بجملة وصفية لا حوار فيها: «ثم قام يمسح الغبار عن رفٍّ لن يبقى». وهذه الجملة أبلغ ما في السلسلة، لأنها تعرض فعلًا بلا كلام، وتضع الرعاية والزوال في صورة واحدة. ويتصل ذلك باستعارة الجنازة في المنشور الأول اتصالًا مباشرًا، فمسح الغبار عن رفّ محكوم عليه بالزوال يشبه تهيئة الميت قبل وداعه.
وتعمل الصورتان المرافقتان للسلسلة عمل الشاهدين الصامتين. فالأولى لواجهة المكتبة الخشبية العتيقة «بلافتتها الباهتة»، والثانية لورقة «إخطار بالإخلاء» ملصقة على زجاج الباب. وتضع المقابلة بينهما زمنين متقابلين في مشهد واحد: لافتةٌ بهت لونها على مهل خلال عقود، وورقةٌ تُلصق في لحظة وتنهي كل ما سبقها. ويكتسب هذا التقابل قيمته من موضعه داخل السلسلة، إذ تتخلل الصورتان المنشورات فلا تُقرأ الوثيقة الإدارية معزولة، وإنما يقرؤها المتابع وقد صار للمكان وجه يعرفه. وهذا ترتيب مقصود، لأن الإخطار المعروض وحده ورقةُ إجراء، أما المعروض بعد الذكرى فهو حكمُ إعدام.
الوسم
الوسم هو علامة رقمية تبدأ عادةً بالرمز # وتربط المنشورات والذكريات المتصلة بقضية واحدة، مما يسهّل تداولها والعثور عليها وتنظيم المشاركة الجماعية.
تعمل أدوات المنصة في هذه السلسلة عمل البناء الخطابي في النص المكتوب. فالترقيم «١/٤» يعد القارئ بعقد قراءة محدود ومعلوم النهاية، وهو وعد يناسب قارئًا يتصفح على عجل. والوسم «#أنقذوا_مكتبة_الحلمية» يجمع الكلام المتفرق تحت عنوان واحد قابل للبحث، فيمنح الحملة اسمًا تُعرف به بعد أن تنقضي المنشورات. أما أرقام التفاعل المعروضة تحت كل منشور فهي أدق ما في السلسلة دلالة على تصميمها، لأن أعلى عدد للإعجابات يقع عند المنشور الثالث، وهو منشور الشهادة، بينما يقع أعلى عدد لإعادة النشر عند المنشور الرابع، وهو منشور الدعوة إلى الفعل. ويقول هذا التوزيع إن العاطفة بلغت ذروتها عند الشهادة، وإن النشر بلغ ذروته عند الطلب، وهو الترتيب الذي بنت السلسلة نفسها عليه. ويأتي الطلب في المنشور الرابع في ثلاثة أفعال محددة: توقيع العريضة، والمشاركة بالوسم، وحضور «وقفة القراءة الصامتة» (٤/٤). ثم تضيف الحملة شرطًا ينظم شكل الاحتجاج: «أحضروا كتابًا... ولا تحضروا شعارات». ويحمي هذا الشرط الحملةَ من أن تُقرأ حدثًا سياسيًا، ويجعل أداة الاحتجاج هي الشيء المهدد نفسه.
ويكتمل هذا البناء في الردّين المنشورين أسفل السلسلة، وهما جزء من النص المعروض. فردّ «ورّاق مصري» ينقل الخبر بنصه: «وقد بلغت التوقيعات ٤٠ ألفًا في يوم واحد»، ثم يسأل: «متى نتعلم أن الذاكرة استثمار أيضًا؟». ويؤدي هذا الردّ وظيفتين يعجز الحساب عن أدائهما بنفسه: يثبت أثر الحملة بشهادة طرف آخر، ويقدّم الحجة الاقتصادية التي تجادل المالك بلغته. وقد أبقى الحساب هذه الحجة خارج منشوراته حتى تظل نبرته وجدانية خالصة، فجاءت على لسان متابع. أما ردّ «بنت المحروسة» فيعد بالحضور مع الأبناء، فيمدّ حجة المنشور الثاني عن الأجيال إلى الجيل التالي. وينبغي أن يُلاحظ في هذا السياق أن الصورة الرمزية للحساب فنجان قهوة فوق كتاب مفتوح، وهي صورة تجمع بين ما فصل بينهما المالك الجديد حين فضّل المقهى على الكتب. فالحساب يعرض في أيقونته حجةً لا يقولها في نصه: القهوة والكتاب يجتمعان، والخصومة صنيعة من أراد أحدهما بدلًا من الآخر.
تكشف هذه السلسلة منهجًا مضبوطًا في بناء حملة رقمية قصيرة. فهي تبدأ بتحديد نوع الحدث حتى تحدد نوع الواجب، ثم تنقل ملكية المكان من ذاكرة فرد إلى ذاكرة حي، ثم تستعير صوتًا لا مصلحة له لتقطع الطريق على أقرب اعتراض، ثم تصرف ما تجمّع من انفعال في ثلاثة أفعال محددة الزمان والمكان. ويلازم هذا البناء اللفظي بناء رقمي مواز، إذ يضبط الترقيم مدة القراءة، ويمنح الوسم الحملة اسمًا يبقى، وتعرض أرقام التفاعل انتقال القارئ من التأثر إلى النشر. وتتجاوز دلالة ذلك واقعة مكتبة بعينها، لأن السلسلة تقترح تعريفًا عمليًا لنجاح المناصرة الرقمية: أن تنتهي بفعل يمكن عدّه، لا بشعور يمكن الإعجاب به. ويبقى في المقابل سؤال مشروع عن حدود هذا المنهج، إذ إن قوته في تحويل قضية إلى مشهد قد تجعل بقاء القضية رهنًا ببقاء المشهد. غير أن السلسلة تحتاط لذلك في منشورها الأخير حين تطلب كتابًا وتمنع الشعارات، فتربط الحضور بالشيء المهدد ذاته بدل أن تربطه بالحملة. ويبقى أن هذا المنهج يكشف شيئًا عن شرط المناصرة الرقمية عمومًا، إذ تحتاج القضية إلى وجه وذاكرة وصوت قبل أن تحتاج إلى حجة، وتحتاج إلى موعد ومكان قبل أن تحتاج إلى تصفيق. وفي هذا ما يفسّر لماذا تبقى حملات كثيرة عند حدود التعاطف، لأنها تنجح في المرحلة الأولى وتغفل عن المرحلة الثانية.
أخطاء تكلّف المقال درجاته